ابو القاسم عبد الكريم القشيري

116

لطائف الإشارات

أشدّ الظلم متابعة الهوى ؛ لأنه قريب من الشّرك ، قال تعالى : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » « 1 » . فمن اتّبع هواه خالف رضا مولاه ؛ فهو بوضعه الشيء غير موضعه صار ظالما ، كما أنّ العاصي بوضعه المعصية موضع الطاعة ظالم . . كذلك هذا بمتابعة هواه بدلا عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار في الظلم متماديا . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 30 ] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 ) أخلص قصدك إلى اللّه ، واحفظ عهدك مع اللّه ، وأفرد عملك في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك للّه . « حَنِيفاً » : أي مستقيما في دينه ، مائلا إليه ، معرضا عن غيره « 2 » . والزم « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » أي أثبتهم عليها قبل أن يوجد منهم فعل ولا كسب ، ولا شرك ولا كفر ، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان . فاعرف بهذه الجملة ، ثم افعل ما أمرت به ، واحذر ما نهيت عنه . فعلى هذا التأويل فإن معنى قوله : « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » أي اعرف واعلم أن فطرة اللّه التي فطر الناس عليها : تجرّدهم عن أفعالهم ، ثم اتصافهم بما يكسبون - وإن كان هذا أيضا بتقدير اللّه « 3 » . وعلى هذا تكون « فِطْرَتَ » اللّه منصوبة بإضمار اعلم - كما قلنا .

--> ( 1 ) آية 23 سورة الجاثية . ( 2 ) فكلمة « حنيف » من الأضداد . ( 3 ) يذكرنا هذا بتفسير أبى طالب المكي لقول رابعة « أحبك حبين . . » فالحب الأول فطرى تفضل اللّه به ، والحب الثاني عانته هي بكسبها ولكنها حتى في هذا الحب الكسبي لا فضل لها ، ولذلك استدركت : فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا أنظر ( قوت القلوب المكي ح 2 ص 56 وماتلاها ) وانظر أيضا كتابنا ( نشأة التصوف الإسلامي ) ط دار المعارف .